قبل أكثر من ألف عام، في بلاد كانت تسمى قديماً “إفريقيّة”، ولدت فاطمة الفهرية، سليلة إحدى العائلات القرشية العربية العريقة، وفي تلك البلاد بنى فيها جدها مدينة “القيروان” التي ظلت عاصمة المسلمين في بلدان المغرب لأكثر من أربعة قرون.
وتروي كتب التاريخ أن حفيدته نجحت في وضع اللبنة الأولى لإحدى أعرق جامعات العالم، التي بزغت شمسها من المشرق العربي، قبل أن يعرف الغرب مفهوم الجامعات بنحو قرنين، “فكأنما نبّهت بذلك عزائم الملوك من بعدها”، كما قال عنها المؤرخ العربي ابن خلدون.
إلى فاس
أم البنين
ذكر ابن أبي الزرع في كتابه أن وفداً من القيروان قدم إلى المغرب الأقصى في عهد الأدارسة، “وكانت فيهم امرأة مباركة صالحة اسمها فاطمة، وتُكنى أم البنين بنت محمد الفهري القيرواني، أتت من إفريقية مع أختها وزوجها”.
وعلى الرغم من تلقيبها بـ”أم البنين”، إلا أن المصادر التاريخية لم تذكر شيئاً عن أبنائها أو سبب إطلاق هذا اللقب عليها، وهو لقب أطلق على بعض أبرز النساء عبر التاريخ الإسلامي.
وفسر البعض تلقيب فاطمة الفهرية بأم البنين، بأنه يرجع إلى أنها عُرفت بعطائها وإنفاقها على المساكين وطلبة العلم من مالها الذي ورثته.
جدير بالذكر أن فاس انقسمت في عهد إدريس الثاني إلى مدينتين؛ حسبما أوضح السياسي والكاتب المغربي الراحل عبد الهادي التازي في دراسة له؛ فهناك مدينة الأندلس التي سكنها آلاف اللاجئين الذين وردوا إليها في عهد الحَكَم بن هشام، ثالث أمراء الدولة الأموية في الأندلس، وهناك “المدينة العُظمى التي يسكنها القيروانيون”، نسبة إلى القيروان في تونس، الذين أطلق عليهم “القرويين” تخفيفاً للنطق.
من تراب الأرض
ذكر ابن أبي زرع أن فاطمة الفهرية حين انتوت بناء الجامع، اختارت أرضاً في المكان الذي يسكن فيه القرويون، “وكانت أرضاً بيضاء، يُعمل بها أصناف الجِص، وبها أيضاً أصناف من الشجر”. والجِص هو الذي يُعرف اليوم بالجِبس المستخدم في مواد البناء.
وكان صاحب الأرض رجلاً من قبيلة هوارة، حازها والده حين بُنيت تلك المدينة، فاشترتها فاطمة منه بمالها الذي ورثته والذي “ليس فيه شبهة ولم يتغير ببيع أو شراء”، وشرعت في حفر بنائه وأساسه في الأول من شهر رمضان عام 245هـ/859م، أي أنها في ذلك الوقت كانت على مشارف الستينيات من عمرها.
وقد أوعز بعض الباحثين والمؤرخين أن هذا الشرط الذي وضعته فاطمة الفهرية، هو ما جعل هذا الجامع يُبنى على مدار سنوات طوال، امتدت بحسب بعض المؤرخين إلى ثمانية عشر عاماً، ويقول ابن أبي زرع إن السيدة القيروانية ظلت صائمة خلالها “من يوم شُرع في بنائه إلى أن تم”.
وفي كتابه عن جامع القرويين، وصف عضو أكاديمية المملكة المغربية عبد الهادي التازي، الجامع في تصميمه الأصلي على أنه كان شبه مربع على نحو ما عُرف في المساجد الإسلامية الأولى، وكان طوله يعادل تسعة وثلاثين متراً.
وبحسب التازي، فإن المساحة الكلية للجامع آنذاك تُقدر بـ 1248متراً مربعاً، تنقسم إلى أربعة “أساكيب” أو أروقة، قبل أن تتطور مساحة الجامع عبر الأزمنة المختلفة لتتجاوز النصف هيكتار، حيث تبلغ 5846 متراً مربعاً.
أشار الدكتور عبد الصمد الديالمي، أستاذ علم الاجتماع في المغرب، إلى رواية تقول إن فاطمة ومريم الفهريتين نفذتا وعد أبيهما بتخصيص ميراثه بالكامل لبناء مسجد.
وفي حديثه لبي بي سي، يرى الديالمي أن هذا الوعد ربما يكون نتيجة عدم إنجابه ذَكَراً، وأن من الوارد أنه قصد منع ابنتيه من الاستفادة الكلية من الإرث، ومن خطر تقاسمه مع زوج ما.
ومن هنا، يظل الفعل الخيري للفهريتين، إن صح، بحسب الديالمي، فعلًا لا ينتمي إلى النِسوية بمفهومها الحالي؛ فالنسوية الموجودة آنذاك كانت “نسوية إسلامية”، دون أن تحمل هذا الاسم؛ خاصة وأن المساجد وقتها كانت تدرس “اللامساوة بين الجنسين، الشيء الذي كان عادياً في بدايات تاريخ الإسلام”، بحسبه.
وعلى الرغم من أن مدينة فاس شهدت بناء حمامات خاصة بالنساء صيانة للعفة العمومية، وتخصيص ممرات خاصة بالنساء، بحسب أستاذ علم الاجتماع، لكن “لا يشير المخبرون والمؤرخون إلى وجود نساء عالمات أو شاعرات أو متصوفات بفاس إبان العهد الإدريسي”.
في حين قال الدكتور لطفي عيسى، المؤرخ التونسي، لبي بي سي، إن ما قامت به فاطمة الفهرية، ما هو إلا امتداد لتقليد قديم منذ الفترة الرومانية، يُدعى نظام البلدية أو الـ”ايفغجيتزم”.
والـ”ايفغجيتزم” كلمة يونانية تعني “أعمال الخير”، تطلق على ممارسة العائلات الثرية التي كانت تتكفل بتخصيص جزء من ثروتها لخدمة المجتمع بتشييد مؤسسات أو مبانٍ ذات أهمية داخل فضاء المدينة التي يعيشون فيها.
ورغم الاختلاف بين المؤسسات الرومانية والإسلامية، إلا أن هذا التقليد، بحسب المؤرخ التونسي، استمر وأخذ شكله الخاص على أيام المسلمين، وهو في نهاية المطاف “أثبت وجود مسارات تشير إلى حضور المرأة في الفضاء العام”.
ويرى الأديب المغربي الراحل علال الفاسي أن القرويين سارت على غرار مسجد القيروان، “ولا يبعد أن تكون السيدة أم البنين التي قدم والدها من تلك المدينة التونسية، أحبت أن ترى في هذا الجامع امتداداً لمسجد عقبة بن نافع الذي أسِّس سنة 50هـ”.
على الرغم من أن معظم الدراسات التاريخية تكاد تجمع على أن الفضل في تأسيس جامع القرويين يعود إلى فاطمة الفهرية، إلا أن هناك بعض الأصوات التي نفت تلك الرواية، وفرّق البعض بين التفكير في تأسيس الجامع الجامعة، وبين تمويل بناء هذا الجامع.
من بين هؤلاء عبد الهادي التازي، في كتابه جامع القرويّين: المسجد والجامعة بمدينة فاس، حيث ذكر وثيقة عُثِر عليها خلال أعمال الترميم، تشير إلى أنّ المسجد بناه السلطان داود، إذ كُتِبَ عليها بالخط الكوفي: “بُني هذا المسجد في شهر ذي القعدة مِن سنة ثلاثة وستين ومائتي سنة، مما أمر به الإمام أعزه الله داود ابن إدريس”.
ويرى الدكتور عبد الصمد الديالمي، أن قصة الفهريتين “أسطورة انتشرت بفضل الرواية الزرعية”، في إشارة إلى ابن أبي زرع، الذي ألف كتابه بعد خمسة قرون من الأحداث التي يرويها عن الأختين الفهريتين، ما “يقلل من مصداقية الرواية نظراً لطول المسافة الزمنية الفاصلة بين الحدث والرواية، مع غياب مصادر أخرى قبلها تذكر نفس الرواية أو تؤكدها” بحسب الديالمي.
“ليست موضع شك”
في المقابل، قال المؤرخ السوري في القرن العشرين خير الدين الزركلي في موسوعة الأعلام، “ويظهر أنه زيد في بنائه [الجامع] بأمر داود بن إدريس، فتم في أيامه سنة 263، ووُسع بعد ذلك ابتداء من سنة 345هـ.
وقد أجمع الأكاديميون والمؤرخون والكتّاب الذين حضروا ندوة بستينيات القرن الماضي، بمناسبة مرور قرن بعد الألف على تأسيس جامعة القرويين، على أن فاطمة الفهرية هي التي لها السبق في تأسيس الجامعة.
وأكد علال الفاسي، السياسي والأديب المغربي الذي رحل في أوائل السبعينيات، أنه لا شك في أن “كل أدلة التاريخ التي راجعناها مراراً تشهد بأن أم البنين هي التي أسست القرويين، حتى أنه لا يصح أن يوضع هذا موضع الشك بحال”.
ووصف ما قاله عبد الهادي التازي بكون الباني هو داوود الإدريسي، بأنه “لا يستقيم”، وأن كل ما يعتقده الفاسي هو أن الإدريسي “جدد البناء أو رممه أو زاد في المسجد”، وهو ما أشار إليه ابن أبي زرع في عنوان الفصل الذي تحدث فيه عنها، وتحدث عن الزيادة التي استُحدثت في الجامع بعد تأسيسه عبر العصور حتى العصر الذي خط فيه كتابه.